سعيد عطية علي مطاوع
186
الاعجاز القصصي في القرآن
القلم فبعد بدء أحداثها مباشرة قدّم حدثا يعرّفنا بما آل إليه أمر الجنة دون أن يؤثّر ذلك علي مسار القصة ، أو يصيبها بأدنى قلق أو اضطراب : " إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ " ( سورة القلم : 17 - 32 ) . 8 - البيان القرآني في بعض مشاهد قصصه يعتمد علي إحضار الأحداث دون تدخل بالرواية وما تستلزمه من حكاية علي ألسنة الأشخاص . وكل ما يصنعه أنه ينبّه إلى عنوان المشهد أو موضوعه بما يتناسب مع السياق البياني العام ، ثم يختفي لتصدر الأحداث والأقوال من أصحابها مباشرة علي غرار ما نعرفه حديثا باسم ( التمثيلية ) ، فيصبح متلقي المشهد كأنه حاضر وقائعه بنفسه دون واسطة . علي نحو ما جاء في قصة إبراهيم عليه السلام إذ يقدم القرآن مشهد بناء الكعبة فنري إبراهيم وإسماعيل أمامنا بأشخاصهما يبنيان ونسمعهما بألسنتهما يدعوان ، حتى كأنهما معنا في عصرنا هذا أو كأننا انتقلنا إليهما في الماضي نعايشهما : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ( البقرة : 127 - 129 ) . فالبيان هنا لم يتدخل إلا برفع الستار عن المشهد ، وذلك قوله تعالى : " إِذْ يَرْفَعُ " كلمة ( إِذْ ) هنا تمثل المفتاح الذي ينقلنا إلى الحدث الواقع أو ينقل الحدث ذاته إلينا فنشارك أشخاصه الزمان والمكان والحياة 74 .